الأحد، ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦
عالمي

بعد خطابه.. هل يترك ترامب إسرائيل وحدها في "مستنقع" حرب إيران؟

مشهدًا معقدًا تتداخل فيه لغة القوة العسكرية المفرطة مع رغبة سياسية ملحة في الانسحاب السريع من حرب إيران.

مشاركة:
بعد خطابه.. هل يترك ترامب إسرائيل وحدها في "مستنقع" حرب إيران؟

عكس خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأمة، فجر اليوم الخميس (بتوقيت القاهرة)، تحولًا دراماتيكيًا في مسار “عملية الغضب الملحمي”، مقدمًا مشهدًا معقدًا تتداخل فيه لغة القوة العسكرية المفرطة مع رغبة سياسية ملحة في الانسحاب السريع من حرب إيران.


وبينما سوّق الخطاب لانتصارات تكتيكية مدمرة ضد البنية التحتية الإيرانية، ترك الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام تساؤلات وجودية تثير الرعب في الأوساط الأمنية الإسرائيلية؛ إذ وخلف التعهدات بحماية الحلفاء وتدمير التهديد النووي، برزت ملامح استراتيجية أمريكية تميل إلى الخروج الأحادي، دون احتلال ونزول بالقوات على الأراضي الإيرانية، مع التخلي التام عن الالتزام الأمريكي بمضيق هرمز حمايةً لحلفائها، وهو أمر قدر ينذر بترك تل أبيب غارقة وحدها في مستنقع تداعيات ما بعد الحرب.

حرب إيران واستراتيجية الخروج الأمريكي المكتوم

في قراءة تحليلية معمقة للخطاب الأخير، يفكك الدكتور مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، مضامين الرسائل الرئاسية، موضحًا أنها جاءت كإعادة إنتاج لمواقف وتصريحات سابقة.

وهو يشير إلى أن حديث ترامب اكتفى بسرد موجز لأفكار اعتاد طرحها عبر منصات مختلفة، متجاهلًا في الوقت ذاته التداعيات الاقتصادية القاسية والسيناريوهات الميدانية الغامضة، فيما اكتفى بادعاء إنجاز واشنطن لغالبية أهدافها، الأمر الذي يفسره عفيفي - في تصريحاته الخاصة لمصراوي - بمحاولة ترامب الرد على المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الأمريكية التي تنفي باستمرار وجود أي تهديد إيراني مباشر ومؤثر على الأراضي الأمريكية.

تتقاطع قراءة عفيفي مع الرؤية الرسمية التي يروج لها البيت الأبيض، حيث تؤكد وثائق الإدارة الأمريكية أن الرئيس يقود استراتيجية ذات “أهداف واضحة وثابتة” تتركز حصرًا على تدمير الصواريخ الباليستية وشل القدرات البحرية والنووية.

هذا التحديد الضيق للأهداف يعفي واشنطن من التورط في مساعي “تغيير النظام” أو إرسال قوات برية لاحتلال أراضٍ إيرانية.


ما الذي قدمه ترامب بخطابه؟

وقد أشارت شبكة “سي إن إن” في تحليلها للخطاب إلى أن ترامب قدم أقوى مبرراته لشن الحرب، لكنه فشل تمامًا في تبديد المخاوف العميقة بشأن كيفية إنهائها أو إدارة مرحلة ما بعد توقف إطلاق النار.

نوايا الخروج السريع هذه تتأكد من خلال تصريحات ترامب المباشرة التي أعلن فيها أن الأهداف العسكرية “تقترب من الاكتمال”.

لقد كرر الرئيس وعوده بإنهاء العمليات وتدمير القدرات الإيرانية خلال “أسبوعين أو ثلاثة أسابيع”، ملوحًا بتوجيه ضربات قاصمة تعيد طهران إلى “العصر الحجري” كخطوة أخيرة قبل إسدال الستار على التدخل المباشر.

وهذا الجدول الزمني القصير يمثل رسالة طمأنة للداخل الأمريكي المنهك، ولكنه في الوقت ذاته يمثل جرس إنذار مبكر لإسرائيل بأن المظلة الجوية الأمريكية لن تدوم طويلًا.\



نزيف الترسانة الاستراتيجية الأمريكية في حرب إيران

لا ينبع استعجال الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب من فراغ سياسي فحسب، بل تحركه أزمة عسكرية ولوجستية طاحنة داخل أروقة البنتاجون.

وقد كشفت تقارير بحثية وتسريبات عسكرية أن القوات الأمريكية وحلفاءها استهلكوا كميات هائلة من الذخائر الاستراتيجية، بلغت أكثر من 11 ألف ذخيرة متنوعة في أول 16 يومًا فقط منذ بدء الحملة أواخر شهر فبراير الماضي.

وتشير التقديرات إلى أن صواريخ الاعتراض المتقدمة من طراز “ثاد” (THAAD) وصواريخ الهجوم الدقيقة (PrSM) قد تنفد تمامًا بحلول منتصف أبريل الجاري.

ورغم نفي ترامب المتكرر في تصريحاته لوجود أي نقص في مخزونات الأسلحة الأمريكية، تدرك دوائر صنع القرار أن تعويض هذه الترسانة الباهظة سيكبد دافع الضرائب الأمريكي ما يقرب من 50 مليار دولار إضافية.

\

خطاب لا إشارات حقيقية

وهذا النزيف المالي والعسكري يفسر تعمد الخطاب الرئاسي غض الطرف تمامًا عن الهموم الاقتصادية للمواطن الأمريكي.

يشير الدكتور عفيفي أيضًا، في حديثه مع مصراوي، إلى خلو هذا الخطاب من أية إشارات إلى معدلات التضخم المرتفعة، وتكلفة الحرب الباهظة، وأزمة غلاء السلع، ومخاوف المزارعين، حيث برر ترامب أزمة أسعار الوقود باعتبارها مجرد “تضحية مؤقتة” في سبيل القضاء على التهديد الإيراني.

وتخلق هذه الضغوط المتراكمة بيئة طاردة للتدخل الأمريكي الممتد، وتجعل من خيار حرب الاستنزاف الطويلة أمرًا مستحيلًا من الناحية اللوجستية والسياسية.

فالولايات المتحدة لا تستطيع المخاطرة بتفريغ مستودعاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط بينما تترقب تهديدات محتملة في مسارح عمليات أخرى حول العالم.

وبالتالي، فإن قرار الانسحاب أو الاكتفاء بالرقابة عن بعد لم يعد خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة حتمية تفرضها لغة الأرقام وقدرة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي على تلبية احتياجات المعركة.




\

هل أعجبك هذا المقال؟

التعليقات

أضف تعليقك